محمود توفيق محمد سعد

271

الإمام البقاعي جهاده و منهاج تأويله بلاغة القرآن الكريم

وأنت إذا ما نظرت في دلالة مادة البأساء في البيان القرآنيّ وجدتها لما أصاب الجسد ( النساء : 84 ، والنحل : 81 ، والإسراء : 5 ، والأنبياء : 80 ، والنمل : 23 ، والحديد : 25 ) وإذا نظرت في مادة " الضراء " وجدتها لما أصاب المال ( البقرة : 233 ، وآل عمران : 134 ، ويوسف : 88 ، والطلاق : 6 ) فما ذهب إليه البقاعيّ أعلى وأليق بالبيان القرآنيّ . وإذا ما نظرت في سياق الآيات التي قال فيها البقاعيّ بالنشر المشوّش ألفيت أنّ سورة " البقرة " قد كثر فيها الحديث عن الإنفاق ، وجعلته أصلا من صفات المتقين ، وقد تقدم في السورة البلاء في الأموال على البلاء في النفس ( ي 155 ) وتحدثت عن الإنفاق ( ي : 177 ، 261 ، 262 ، 265 ، 274 ) وفوق هذا كانت قصة البقرة المشتملة عليها السورة والمسماة بها متضمنة التشديد في الإنفاق على بني إسرائيل ، فلمّا كان المقام للإنفاق قدمه على القتال ، فقال أولا ( يسألونك ما ذا ينفقون ) ثمّ قال ( كتب عليكم القتال ) فكان لفّا ونشرا مشوّشا ( معكوسا ) والبقاعيّ لم يشر إلى وجه البيان بهذا النهج التركيبيّ في هذه الآية ، ولعلّ ذلك من أنّ اللّه عزّ وجلّ لمّا قال في صدر السورة ( هُدىً لِلْمُتَّقِينَ * الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ ) ( البقرة : 2 - 3 ) وكان البيان عن موقف الإسلام من المال له شان في السورة أيّما شأن كان من العناية أن يجعل البيان عنه في وسط المعنى ، وكأنّ فيه إشارة إلى أنّ الجهاد بالمال عمود الجهاد بالسّيف ، وأنّ نصر الدين لا يكون بالسّيف وحده بل يكون بأمور أخرى المال فيها رئيس . * * * إنّ النظر في تأويل النظم التركيبي في بناء الجملة أو الآية في تفسير " البقاعيّ " لا يتسع للوفاء ببعض حقه المقام بكل وجوهه ، وما كنت آمّا إلى تفصيل ، بل إلى تكريس البيان عن معالم المنهاج بيانا عامّا ضميمته بعض نماذج هادية وهذا يجعلني غير متهيب الرغبة عن البسط في هذا المعلم القائم بالنظر في النظم التركيبي .